|
ترجع الجذور التاريخية لـ “بوشكين” إلى أصل حبشي (إفريقي)؛ فأمه “ناديشد أوسيبافنا” كانت حفيدة “إبراهيم جانيبال” الجد الأكبر لبوشكين، والذي كان من الضباط المقربين لدى القيصر “بطرس الأول”، وليس من الغريب أن يرث بوشكين بعض الملامح الإفريقية؛ فكان أجعد الشعر غليظ الشفتين بارز الصدغين. كانت فترة طفولة بوشكين خصبة ، عاشها مع مربيين أجانب ، كانوا دائماً عرضة للتغيير و التبديل ، بجانب أنهم لم يتقنوا اللغة الروسية الإتقان الكافى لتربية الأطفال .. الأمر الذى ترك أثره فى الطفل بوشكين ، و لقد قيل إنه حتى التاسعة من عمره ، قليل الحركة ، كثير الصمت ، لكن هذا لم يجل بينه و بين الآخرين الذين أدركوا أنه سريع البديهة ، محب للاستطلاع ، و على درجة كبيرة من الذكاء الاجتماعى . و كانت تربيته فى البداية على النمط الفرنسى ، و تمكنت أسرته الثرية أن تتيح له ذلك ،حيث حوت مكتبة العائلة الكثير من المؤلفات الفرنسية ، حتى لقد استطاع و هو فى الحادية عشرة أن يقرأ كلاسيكيات الأدب الفرنسى ، بفهم و إمعان ، الأمر الذى مكنه من أن يتعرف على ثقافة أوروبا فى ذلك الحين ، و تشرب مبادئ الثورة الفرنسية التى كانت قد عمت أرجائها. لكن ذلك لم يمنعه من أن يعرف على ثقافة بلاده ، وذلك من خلال الأجواء المحيطة به ، بجانب مربية من الفلاحات الروسيات أسمها ( آرينا روديو نوقا ) ، و كانت على صلة كبيرة و معرفة واسعة بالفنون الشعبية فى بلادها من حكايات ، و فكاهات ، و حكم و أمثال ، و أغانى و موسيقى ، و حركات إيقاعية ، و حرغ يدوية ، فجعلته يعيش ثقافة بلده . كما كان لفلاح آخر يعمل فى مزارع العائلة أثر فى حياة الطفل بوشكين ، فقد صادقه بوشكين و صار هذا الفلاح يتجول به فى شوارع المدينة ، فيتعرف على أحيائها و شوارعها ، و على أهلها و سكانها من العامة ، و تركت هذه الجوالات فى نفسه أثر لا يمحى ، إذ أحس بانتمائه إلى هؤلاء بقد انتمائه إلى أسرته الغنية .. بجانب أن أباه كان ينظم الشعر و كذلك عمه الذى حقق شهرة معقولة فى هذا المجال . و تجدر الأشارة هنا أن مجتمع العاصمة يومئذ فى بطرسبرج كان يختلف عن مجتمع موسكو الذى كان يعيش فيه بوشكين ، فهو يعيش بعيدا عن القصر و القياصرة ، إذ عاش فيها مفكرون لا يسعون بالزلفى للحاكم و حاشيته و موظفيه ، و يتمنون أن يكونوا من بينهم .. فى موسكو كانوا أكثر استقلالية فى تفكيرهم ، و استمساكا بكرامتهم فى حين كان مجتمع العاصمة يحتشد ببائعى الضمائر ، و المتمسحين بالبلاط ، و تشبعت نفس البطل بذلك ، إلى حد وصغه بالعناد و التصلب ، بجانب الاعتماد على النفس و الاستقلال عن الآخرين ، و نفوره من الذل و القهر. عند بلوغ بوشكين الثانية عشرة الحق بمعهد الليسيه الخاص لأبناء النبلاء ، وقد أنشأ هذا المعهد “ألكسندر الأول” لتجهيز شباب الأسر الروسية العريقة لتولي المناصب الهامة في دائرة الحكومة القيصرية مستقبلا، و كان عدد طلابه لا يتجاوزون الثلاثين من أبناء الأسر العروفة و العائلات الكبيرة . و فى هذا المعهد ظهرت موهبة بوشكين الأدبية بجانب صفاته التى اكتسبها من حياته بعيدا عن العاصمة ، و أصبح واحدا من جماعة آلت على نفسها أن تنتمى للشعب ، بفلاحيه و عماله و طبقاته الدنيا ، و كان الطلاب يتلقون قشور التعليم ، و تحشى رؤوسهم بالولاء للقصر و القيصر . لكن المعهد ضم رغم ذلك بعض الأساتذة المتميزين ، الذين يؤمنون بالحرية و بحق الإنسان فى التمتع بها ، و كانت مدة الدراسة فى المعهد ست سنوات ، وقعت خلالها أحداث جسام من بينها :مساهمة روسيا في السياسية الأوروبية، وغزو نابليون لروسيا، وحرق موسكو، وزحف الجيوش الروسية على أوروبا، وسقوط باريس، والقبض على نابليون ونفيه. و تأثر بوشكين بكل ذلك كما أن نزعته الأدبية جعلته يصادق أصحاب الأتجاهات الفنية و يعنى عناية خاصة بالشعر الذى كان من بين الواجبات الرسمية فى المعهد ، و قد كتب أولى قصائده و هو فى الخامسة عشر من عمره ، و كانت على صورة حوار بينه و بين صديق “شاعر” انتصر فيها بوشكين فى حواره للحياة و ليس للشعر ، و لقيت هذه القصيدة إعجابا و تقديرا من المعلمين و الطلاب . كما كتب العديد من القصائد الشعرية في أثناء دراسته بالمعهد، مثل: “أمنية ” و”العلم” و”رسالة إلى بودين”. وفي عام 1817 تخرج من المعهد و أُسندت إليه وظيفة في وزارة الخارجية الروسية، وما كانت تكاد ساعات العمل تنتهي حتى يفر إلى مجتمعات “بطرسيبورج” فيرتاد أنديتها الأدبية والعلمية. عرف عن بوشكين حبه للتجديد في شعره الذي كان يهدف من خلاله إلى إلغاء القيصرية، والقضاء على حق استرقاق الفلاحين ، الأمر الذى دفع بالسلطات الى نفيه ، و كادوا يبعثون به إلى سيبريا ، لكنهم فى اللحظة الأخيرة نفوه إلى قرية معزولة ، اسمها “ميخابوفسك” ، و فيها انكب على كتاباته الشعرية و الروائية ، التى كان صداها كبيرا لدى الفقراء ، و ضاق بها السادة و الحكام . كتب بوشكين الكثير من المؤلفات التي عبّرت عن الحياة الثقافية والاجتماعية لروسيا في ذلك الوقت، مثل: “المصباح الأخضر”، و”إرزاماس”.. انعكس حبه للحرية والعدالة في كتاباته، مثل: “إلى تشاداييف”، و”حكايات”، و”القرية”، كما كتب العديد من القصائد الشعرية، مثل: “الأسير القوقازي”، و”الأخوة الأشرار”، و”النور”. أراد بوشكين إحداث تغيير جوهري في المسرحيات الروسية وانقلابًا في المسرح الروسي كله؛ فاتجه إلى شكسبير، ووجد في مسرحياته الانطلاق، والإخلاص، والحقائق، والأهداف السامية، ورأى أن المسرح الروسي يتلاءم ومسرحيات شكسبير الشعبية في ذلك الوقت. في نوفمبر عام 1852 توفي “ألكسندر الأول” فجأة، وتولى “قسطنطين” الحكم، الذي تخلى عنه لأخيه “نيقولا”. لم يكد “نيقولا” يعتلي العرش حتى هبت ثورة “الديسمبرين” في 14 ديسمبر عام 1825، والتي تعد أول حركة ديمقراطية منظمة في روسيا، وكان بوشكين منحازا للديسمبرين، ونتج عن هذه الثورة قتل بعض زعمائها ونفي آخرين إلى مجاهل سيبريا. لم يستطع القيصر نيقولا أن يجد في مؤلفات بوشكين ما يشير إليه أو إلى سياسته فنقله من قرية “ميخابوفسك” إلى موسكو، مستخدمًا معه أسلوب اللين والمراوغة.
وفي عام 1831 تزوج بوشكين من أجمل فتيات روسيا “نتاليا نيقولا لايفنا جونتشاروفا”، وأنجب منها 4 أبناء، وقبل وفاة بوشكين كان مضطهدا من القيصر الذي كان يضايقه دائما؛ إما بنقله من مدينة لأخرى، أو إعطائه بعض الوظائف التي لا تليق بمكانته. واشتد غضب القيصر على بوشكين وأظهر نحوه مزيدا من عدم الثقة وكان جمال زوجة الشاعر في قمة ازدهاره وتفتحه , ولأن القيصر كان يرغب بحضورها إلى القصر فقد أنعم في عشية رأس السنة الجديدة عام 1834 على الشاعر رتبة نبيل من نبلاء الحضرة القيصرية مما أجج غضب بوشكين الذي رفض ذلك لأنه كان يعرف مقدار قيمته الأدبية وبدأت عمليات الاذلال والاهانة … وفي أواخر يونيو عام 1834 قدم بوشكين طلبا للتقاعد فجن جنون القيصر ولم يسمح له بمغادرة سانت بطرسبورغ. وخضعت كل كتاباته للرقابة .. وشدد النقاد والصحافة الخاضعة للحكومة هجماتهم على بوشكين الذي وقع في ضائقة اقتصادية كبيرة جعلته يعيش قلقه وحيدا .. لقد اضطهدوا عبقريته لأنه لا يستطيع أن يكون خانعا .. واشتدت حملة الهجوم على الشاعر إلا أنه استمر يعمل حتى حصل في عام 1835 على حق إصدار مجلة » المعاصر« التي كرس معظم وقته لها ونشر فيها أعماله ومذكراته وشجع المواهب الشابة ومنهم »غوغول« وخلال الفترة الأخيرة من حياته كتب بوشكين في مجلة المعاصر روايته الطويلة » ابنة الضابط« . وفي عام 1836 استلم بوشكين خطابا فيه من القذف الخسيس ما أثار الشاعر الذي كان على يقين تام بأن البارون هيكرن الذي يتبنى الشاب دانتس هو الذي يقوم بمغازلة زوجته لذلك أرسل بوشكين تحديه لدانتس ولم يتحدّ هيكرن نظرا لسنه كمبارز وخاف هيكرن على دانتس من المبارزة فطلب أخت زوجة بوشكين للزواج من دانتس , فسحب بوشكين تحديه رافضا أن يجمعه بنسيبه أي جامع , ومع ذلك استمر دانتس في مغازلة زوجة بوشكين رغم الزواج من أختها .. وعندئذ أرسل بوشكين خطابا إلى هيكرن يتحدى فيه دانتس ويدعوه للمبارزة ، وتمت بالفعل المبارزة التي كانت نتيجتها مقتل الشاعر برصاص دانتس وإصابة الآخر إصابات طفيفة فى السادس و العشرين من يناير 1837 وقد ولّد موته حزنا لدى الشعب الذي أحبه حبا كبيرا لأنه كتب عن آلامهم ومعاناتهم متغنيا بالحرية وساخرا من الحكم القيصري الظالم ، توفى بوشكين عن عمر يناهز 36 عاما. إن مقتل بوشكين عكس موقفين اثنين : موقف الشعب الذي أصابه الحزن الشديد بسبب الموت المؤلم لهذا الشاعر العظيم الذي عاش طوال حياته يدافع عن حقوق المقهورين والفلاحين ويحرض على الثورة لنيل الحرية رغم أنه كان من طبقة النبلاء , وموقف الحكومة التي كانت لا تريد أن ترى في بوشكين سوى مجرد نبيل من نبلاء الحضرة القيصرية رغم معرفتها الحقيقية لقيمة بوشكين الأدبية. هذا وقد تجمع حوالي 30 ألف نسمة في يوم واحد لإلقاء تحية الوداع الأخيرة على جثمان بوشكين الذي تم نقله ليلا من قبل الحكومة ودفنه بالقرب من قريته » ميخايلوفسكوي« التي كثيرا ما تغنى بها في أشعاره .. خوفا من قيام مظاهرة شعبية في شوارع سانت بطرسبورغ . وبالرغم من أن بوشكين لم يعش أكثر من 36 عامًا، فإنه قد ترك الكثير من الآثار الأدبية؛ لدرجة أن قراءه يشعرون أنه قد عمَّر كثيرًا.. اعتبر عصر بوشكين هو العصر الذهبي للشعر الروسي، وهو عصر التقارب بين الأدب الروسي من جهة والآداب العربية والشرقية من جهة أخرى. ومن الجدير بالذكر أنه قد زار القرم والقوقاز وتأثر بالمحيط الإسلامي، وكتب بعض القصائد التي تشير إلى هذا التأثير: “الأسير القوقازي” و”القوقاز”، و”الليالي المصرية” التي لم يكمل كتابتها، وفي أثناء هذه الزيارة اهتم بتعلم اللغة العربية. اهتم بوشكين بتراخي الشعب الروسي وقضاياه؛ سواء كانت اجتماعية سياسة أو تاريخية، وظهر ذلك بوضوح في مسرحيته التاريخية التراجيدية “بوديس جودونوف” التي توخى فيها الدقة التاريخية والتحقق من صحة الأحداث، وكان موضوعها الشعب والسلطة.. أراد بوشكين أن يقول من خلالها إن السلطة لن تكون مهيبة إن لم تعتمد على الرأي العام. كما كتب روايته الشعرية الشهيرة “الغجر”، والتي ظل عاكفا عليها لمدة سنتين، وكتب قصة “الأمية القائدة”، والرواية الشعرية “الفارس النحاسي” التي استوحاها من تمثال بطرس الأكبر، القائد بساحة مجلس الشيوخ في “بطرسبورج”، وكان بوشكين من أشد المعجبين بهذا القيصر، وكتب الكثير من المؤلفات عنه. وتعد رواية “دوبرفسكي”، التي تحكي عن شاب هارب من إحدى طبقات النبلاء، أعظم ما كتب في تاريخ الأدب الروسي؛ فمن خلالها رسم بوشكين صورة للحياة الروسية في بداية القرن التاسع عشر، وما كان سائدا من استبداد النبلاء واسترقاق الفلاحين في ذلك الوقت. تحدث عن الطبيعة، والحب، والصداقة، ووطنية الشعب الروسي في كثير من أشعاره، مثل: “إلى البحر”، و”أحبك”، و” الخريف في بولدينة”. أما رواية “أوجين” أو “نيجين” فتعتبر أول رواية شعرية واقعية في تاريخ الأدب الروسي، وقد حصلت على لقب “موسوعة الحياة الروسية”؛ حيث يظهر فيها أمام القارئ جميع طبقات المجتمع الروسي في ذلك الوقت. جدير بالذكر أن بوشكين قد قرأ و سمع الحكايات الشعبية فى بلاده ، و المعروفة باسم ( أسكزكى )، و وجد إنه من الضرورى أن يرويها و يحكيها فى مقطوعات شعرية ، و قد صاغها كلها فى قصائد خلال عام 1830 . | ||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|












ولد الكسندر بملريخ بوشكين في موسكو في السادس والعشرين من شهر مايو عام 1799 لأب ينتمي إلى طبقة النبلاء .
أراد القيصر أن يجعل بوشكين شاعر البلاط، ويتغنى بالسلطات الرسمية خالعًا عليها كل آيات الثناء والتمجيد، وقد استطاع بوشكين بذكاء وحيلة التقرب من القيصر بالرغم من انتقاده له ولسياسته، ونتيجة لهذه العلاقة وجهت لبوشكين تهمة الخيانة.